الشوكاني
37
فتح القدير
صدره ( كأنها كوكب دري ) شبه صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكوكب الدري ، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال ( يوقد من شجرة مباركة - يكاد زيتها يضيء ) قال : يكاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي ، كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار . وأقول : إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبي بن كعب وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ليس على ما تقتضيه لغة العرب ، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية ، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا ولم تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة ، ولهذا قال ابن عباس : هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه ، ولا وجه لهذا الاستبعاد . فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه وأبلغ أسلوب ، وعلى ما تقتضيه لغة العرب ويفيده كلام الفصحاء ، فلا وجه للعدول عن الظاهر ، لا من كتاب ولا من سنة ولا من لغة . وأما ما حكى عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا ، فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية ، فليس مثل كعب رحمه الله ممن يقتدى به في مثل هذا . وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا ، فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي ، نعم إن صحت قراءة أبي بن كعب ، كانت هي المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر ، وتكون كالزيادة المبينة للمراد ، وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم هو المتعين . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) قال : هي المساجد تكرم وينهى عن اللغو فيها ، ويذكر فيها اسم الله ، يتلى فيها كتابه ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) صلاة الغداة وصلاة العصر ، وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عباده . وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضع ذكرها . وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : إن صلاة الضحى لفي القرآن وما يغوص عليها إلا غواص في قوله ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) قال : هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله . وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) قال : هم الذين يبتغون من فضل الله . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية ، قال : كانوا رجالا يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون ، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في الشعب عنه في الآية ، قال : ضرب الله هذا المثل قوله " كمشكاة " لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم ، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا عن ذكر الله قال : عن شهود الصلاة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر . أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ، ثم دخلوا المسجد ، فقال ابن عمر فيهم نزلت : ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود أنه رأى ناسا من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم ، فقال : هؤلاء الذين قال الله فيهم ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) . وأخرج